حسن الأمين
283
مستدركات أعيان الشيعة
الميناء بعد الساعة الثامنة مساء ، وبذلك لم يعد هناك أي مجال للتهريب ، كما كانت أية محاولة من قبل التجار الفرنسيين لشراء القمح من الفلاحين يكون الرد عليها دون رحمة . ومثل هذه المحاولات أدت إلى طرده التجار الفرنسيين من عكا وصيدا عام 1790 فهو وحده يقرر أي المحاصيل يجب أن تنتج للتصدير . وبذلك كانت موارده المالية تنمو باضطراد بالإضافة إلى الرسوم الجمركية الباهظة التي كان يفرضها على جميع الصادرات والواردات هذا عدا الغرامات الخاصة التي كان يفرضها بين حين وآخر على التجار والسكان المحليين ومصادرته الأملاك والمقتنيات الخاصة لسبب أو لآخر ، الا ان الدخل الأكبر كان يأتيه من الضرائب المباشرة التي كان يفرضها على الرعية . كل ذلك جعله على جانب كبير من الثراء حتى قدر القنصل الفرنسي في عكا عام 1792 م ثروته بأربعين إلى خمسين مليون قرش بينما كان الباب العالي قدر ثروة سلفه ظاهر العمر الزيداني عند وفاته عام 1775 م بخمسة وعشرين مليون قرش اي أن الجزار استطاع خلال سبعة عشر عاما من حكمه مضاعفة ثروته . فهذه الثروة مكنته من بناء قوته الحربية وحملت اليه ولاية دمشق اربع مرات وقد حصلت عليه ثورة من قبل بعض مماليكه في 3 أيار ( مايو ) من عام 1789 م فقمعها دون رحمة ، وهذا مما زاد رغبته في جمع الأموال وتقوية جيشه ، إذ رأى نفسه وحيدا ، غريب الدار ، لا جذور شعبية له ، تكتنفه الكراهية من جميع رعاياه لشدة ظلمه وجبروته ولا مكان يلجا اليه إذا انكسرت شوكته لا سيما بعد أن شعر أن الباب العالي قد شجع هذه الثورة عليه سرا للحد من نفوذه بعد أن تعاظمت قوته كثيرا وجعلته يتطاول على السلطنة ولا يابه لأوامرها ، كما ساعدت فرنسا على ذلك بطريقة خفية . ولما تأكد من ذلك قام بطرد التجار الفرنسيين من عكا وصيدا كما أسلفنا ومنع أي ممثل لفرنسا من العودة إلى عكا ان تمكنه من القضاء على هذه الثورة زاد طغيانه وأصبح يشك حتى في من يصطفيهم وزاد اهتمامه بمرتزقته . أما مظالم الجزار التي تحدث بها الركبان فكانت أكثر من أن تحصى ، مظالم شملت قطع الرؤس والشنق والقتل أفراديا وجماعيا بالخناجر والسيوف والفؤوس واستعمال الخازوق . وقد روى شاهد عيان انه شاهد أربعين رجلا يصطفون أمام الأسوار لاجلاسهم على الخازوق الواحد بعد الآخر ، ولم ينج من بطشه حتى رجال حاشيته فكثير منهم فروا خفية ، أمثال الياس إبراهيم اده الذي فر إلى الشوف ويوسف القرداحي الذي فر إلى أوروبا . أما مديرا ماليته مخائيل وبطرس السكروج فقتلهما وصادر أموالهما كما أنه جدع انف خازنه حاييم فارحي اليهودي وقلع عينه وأودعه السجن حيث بقي فيه إلى حين وفاة الجزار . كما كان يضع الأحياء ضمن الأسوار ويأمر بالبناء عليهم وقد شوهدت فيما بعد كثير من الهياكل العظمية ضمن الأسوار لدى تساقط بعض حجارتها . وعند عودته من الحج في احدى المرات وشكه في خيانة احدى جواريه روى أنه نضا عنها ثيابها ثم قطع ثدييها وبعد ذلك بقر بطنها وألقى باحشائها إلى السقف ثم أمر باضرام كومة من الحطب حرق فيها 37 من جواريه إذ كان يقبض على الواحدة منهن من شعرها ويلقيها في النار . وفي رواية أخرى انه جعل كلا منهن في كيس وضع فيه ثعبانا وهرة ثم أمر بإلقاء الأكياس في البحر . وبعد حادثة الخيانة هذه داخله شعور بان الناس يسخرون منه في قرارة نفوسهم وان لم يستطيعوا إظهار ذلك خوفا ورعبا فتشفى منهم بصلم الآذان وجدع الأنوف وسمل العيون . ويروى انه أمر مرة أحد الحلاقين بسمل عين أحدهم فارتجفت يد الحلاق ، فقام الجزار بنفسه في العمل بان وضع إصبعه في عين المحكوم مقتلعا عينه وملقيا بها في وجه الحلاق ليعلمه كيف يجيد حرفته . ومما يروى انه كان يقتل على هواه جميع طبقات الناس سواء كانوا من العامة أو من الخاصة أو من أرباب الحرف والصناعات كيفما اتفق ، ثم يطرحهم خارج الأسوار طعاما للوحوش ثم يأمر المنادين أن يخرج أقرباء القتلى لدفن الموتى دون أن ينبسوا ببنت شفة وأن أية امرأة تبدي عويلا تقتل فورا . عاش الجزار بعد انتصاره على نابليون في عكا خمس سنوات وكانت وفاته عام 1219 ه - 1804 م فتبارى الشعراء في ذمه وتعداد مظالمه مؤرخين ذلك . علي بك الكبير ولمشاركة ناصيف النصار بالحلف الذي قام بين علي بك الكبير وبين ظاهر العمر مشاركة فعالة كما بيناه في البحث المنشور عن ناصيف في المجلد الأول من ( المستدركات ) لمشاركته هذه ننشر الدراسة التالية عن علي بك رأس ذلك الحلف ، وعن أبي الذهب وهو المؤثر الكبير فيه وعن وقائع الحلف ونتائجه ليلم القارئ إلماما كافيا بذلك الحدث . وما ننشره هنا مكتوب بقلم الدكتور محمد فؤاد ، على أنه لا بد قبل قراءته من الرجوع إلى البحث المنشور في المجلد الأول من ( المستدركات ) ، لأن الكاتب هنا لم يتطرق إلى ذكر مشاركة ناصيف في الحلف المصري الفلسطيني ، في حين أننا ذكرنا ذلك مفصلا هناك : يسبق مجيء الحملة الفرنسية إلى مصر ، العهد العثماني - المملوكي وهو يبدأ في الثلث الأول من القرن السادس عشر عندما فتح العثمانيون هذه البلاد على يد سلطانهم سليم ، ومنذ أن قرئت الخطبة باسمه في مساجد القاهرة في 24 يناير سنة 1517 خضعت الديار المصرية لحكم آل عثمان ، فظلت في حوزتهم مدة الخمسة قرون التالية تقريبا ، وفي سبتمبر من العام نفسه غادر سليم مصر وترك في نيابة القاهرة خير بك وهو من مماليك السلطان الغوري ونائبه في حلب ، وكان قد انضم إلى العثمانيين ، فاستمر خير بك يشغل هذا المنصب حتى وفاته في نوفمبر 1522 ، ثم تعين باشاوات آخرون كانوا يحضرون من القسطنطينية . ترتيب الديار المصرية : وفي أثناء إقامته عنى السلطان سليم بوضع القواعد ورسم المبادئ العامة التي قام عليها ترتيب الديار المصرية ، وكانت هذه القواعد والمبادىء العامة تستند على أصول قديمة ترجع إلى عهد يوسف ع ، ذلك أنها متاثرة في الحقيقة بوقائع الحياة المصرية وظروفها في العصور المختلفة . وأما الفضل في تدعيم هذا الترتيب فيرجع إلى السلطان سليمان القانوني ( 1520 - 1566 ) ، إذ حدد قانونه حقوق وواجبات الهيئات المتنوعة التي اضطلعت بشؤون الحكم والإدارة . وكانت الحكومة في العهد العثماني - المملوكي تتالف من الباشا ، وهو الذي يحضر من القسطنطينية لينوب عن السلطان في الحكم ، وهو أيضا غير الوالي ، « زعيم مصر . . . الذي يتبصر في القاهرة وخدمته إزالة الخواطي وهم النساء الفاحشات ووقوع أولاد الزنا وعليه جرف الخليج الناصري » في كل سنة . وقد رتب السلطان سليم للباشا « جنودا وكتخدا ( وهو الوكيل عن الباشا ) ومهردارا ( أمين خاتمه ) وخزندارا ( أمين صندوقه ) ، وترجمانا ذا فهم وفصاحة ، ورئيس ديوان وأغاوات ( وهم الرجال من جند وموسيقيين ورسل في معية الباشا ) وجعل سكنه بالسرايا التي هي داخل قلعة مصر ( ورتب له أيضا ) ديوان أفندي ، ( وصحتها ديوان أفنديسي وهو سكرتير